طه عبد الرحمن
14
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
وكذلك الإنسان في ممارسته لعقله على مقتضى التصور المذكور ؛ بل ما المانع من أن نسمى القوة الإدراكية الخاصة بالبهائم هي الأخرى عقلا ! فإنها ليست تختلف عن قوة الإدراك عند الإنسان إلا في الدرجة ؛ وإذا كان الأمر كذلك ، لزم أن لا تكون العقلانية - كما هي في تصور هذا البعض - هي الصفة التي يتفرد بها الإنسان وتميّزه عن البهيمة ؛ فكلا الإنسان والحيوان لا يقين له فيما أصاب فيه ، بل تكون ، على العكس من ذلك ، هي الصفة التي تجمع بينهما ؛ وبهذا ، يقع هؤلاء هم أنفسهم في الخطأ من حيث أرادوا الصواب ، آتين مرة أخرى على غفلة منهم بنقيض مقصودهم ، فقد أرادوا أن يرفعوا رتبة الإنسان ، فإذا بهم ينزلونه رتبة دونها . وإذا بطل أن تكون العقلانية هي الحد الفاصل بين الإنسانية والبهيمية ، وجب أن يوجد هذا الحد الفاصل في شيء لا ينقلب بالضرر على الإنسان من حيث أراد الصلاح في الحال والفلاح في المآل ، ولا يقع الشك في نفعه متى تقرر الأخذ به ولا في حصول الضّرر متى تقرر تركه ؛ وليس هذا الشيء إلا مبدأ طلب الصلاح نفسه ، وهو الذي نسميه باسم " الأخلاقية " ؛ فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن أفق البهيمة ؛ فلا مراء في أن البهيمة لا تسعى إلى الصلاح في سلوكها كما تسعى إلى رزقها مستعملة في ذلك عقلها ؛ فالأخلاقية هي الأصل الذي تتفرع عليه كل صفات الإنسان من حيث هو كذلك ، والعقلانية التي تستحق أن تنسب إليه ينبغي أن تكون تابعة لهذا الأصل الأخلاقي . وقد التبس الأمر على دعاة العقلانية من المحدثين ، فظنوا أن العقلانية واحدة ، لا ثانية لها ، وأن الإنسان يختص بها بوجه لا يشاركه فيه غيره ؛ وليس الأمر كذلك ، إذ العقلانية على قسمين كبيرين ، فهناك العقلانية المجرّدة من " الأخلاقية " ، وهذه يشترك فيها الإنسان مع البهيمة ، وهناك العقلانية المسدّدة بالأخلاقية ، وهي التي يختص بها من دون سواه ؛ وخطأ المحدثين أنهم حملوا العقلانية على المعنى الأول وخصوا بها الإنسان ؛ ولا يصح أن يستدرك علينا ، فيقال بأن العقلانية التي يختص بها الإنسان على نوعين : " العقلانية النظرية " التي لا أخلاق فيها و " العقلانية العملية " التي تنبني على الأخلاق ؛ ذلك لأن الأولى - أي العقلانية النظرية - إن أمكن وجودها ، فلا يمكن أن يتفرد بها الإنسان كما تبين ؛ أما الثانية - أي العقلانية العملية - ، فإنه ، إن جاز أن يتفرد بها الإنسان ، فلا يجوز أن تكون الأولى أصلا لها ولا حتى أن تكون في رتبتها كما يظن ؛ والصواب أن الأخلاقية هي ما به يكون الإنسان إنسانا ، وليست العقلانية كما انغرس في النفوس منذ قرون بعيدة ؛ لذا ،